عرض «شغل» لرشدي بلقاسمي في مسرح الحمراء: حين تبوح أجساد النساء بحكاياتها وينتصر الرقص للمرأة تكون المتعة

ينبش في الذاكرة بجسده، ينقل قصص النساء وحكاياتهنّ بخطواته التونسية التي تكاد تندثر، يخبر جيل اليوم بأحاديث النساء ونضالاتهن عبر جسده،
جسده ورقصه وسيلتاه للعبور الى التاريخ والذاكرة الجماعية التونسية، رقصه مطيته للمحافظة على الخطوة التونسية، جسده صوت للمرأة، يدافع عنها يخبرنا عن حكاياتها، تحرر في علاقته بالجسد ليصبح جسده الذكوري حاملا لهواجس الجسد الانثوي في عروضه الكوريغرافية هكذا الرقص عند رشدي بلقاسمي.
وقد قدم عرضه الجديد «شغل» في فضاء الحمراء، «شغل» عرض جديد ينتصر للنساء، تجربة بحثية اخرى في مفهوم الجسد ، كوريغرافيا رشدي بلقاسمي وموسيقى اسامة السعيدي عن موسيقى أصلية مسجلة مع فرقة الأمير الساحل والراقصتين دليلة الطرابلسي ومونيا بكار، سينوغرافيا مروان الهاني وأزياء رجاء النجار واسامة حنانيني مساعد كوريغراف وتصوير وفيديو بشير زين.
جسد المرأة لوحة راقصة تناشد الحرية
جسد المرأة ذاك الكائن الخرافي المرعب في المنظور الجمعي يغوص فيه رشدي بلقاسمي، يعريه يكتشف خباياه وينصت الى وجعه، يعيد تشكيله في خطوات راقصة تجمع الخطوة التقليدية مع المعاصرة، مزج في الخطوات يتماهى مع قصص النساء وأجساد النساء.
«شغل» عرض كوريغرافي يضع جسد المرأة امام مرآة التشريح المجتمعي والديني يحاول ان يقترب من جسدها اكثر يترك لها مساحة كاملة لتعبّر، وتعبيراتها المختلفة يلتقطها الراقص ويصنع منها حبكة مسرحية لعرض يجمع فن الرقص والمسرح، يدمج بينهما ليكون العمل صادقا وحقيقيا.
المراة في «شغل» هي سيدة المكان، في فضائها الحميمي تجلس خلف منسجها، تبدع في نسيج الخيوط تداعب «الرطاب» وتصنع من حركاته موسيقى مختلفة، حركات «الخلالة» هي الاخرى تتماهى مع دقات قلب متسارعة، تنصت الى الراديو، الموسيقى تونسية صوت علية يزين الفضاء، تتقاطع الاصوات بين موجات الاذاعة من خطابات الحبيب بورقيبة ودعوته الى «التعليم، والمعرفة» الى اغاني تونسية ومنوعات رمضانية «رمضان ملئ قلوبنا» كل الاصوات تضع المتفرج في الفضاء الحميمي للمرأة، فالأم هي البداية هي الفكرة الاولى التي يشتغل عليها بلقاسمي في عروضه وعنها تتفرع بقية الشخصيات النسائية الاخرى وجميع الشخصيات التي يلامسها الراقص يشاكس معها عقلية ذكورية لها مقومات محددة للرجولة ومعايير دقيقة للأنثى.
خلف «السداية» تنسج المرأة حكاياتها، ذكرياتها، تعبر عن سيطرتها على المكان بدقات الخلالة وطريقة تمرير الرطاب على «الجدّاد» فيحدث تلك الموسيقى الغريبة القريبة من القزقزة، تنصت الى الإذاعة، تواصل عملها ثم تقرر الرقص، ترتفع الموسيقى ليقدم بلقاسمي رقصتي «الدرازي» و»الزقايري» يرقص حدّ التعب وكأنه يخبر جمهوره ان للجسد سطوته في الفضاء، للجسد رغبته في التحرر وأجساد النساء (الشخصيات) تعشق الرقص وتختاره فضاء للمتعة والحرية.
حلف المنسج تكتب المرأة حكاياتها، هي عودة بالذاكرة الى الطفولة، نبش في ذكريات لا يخلو منها منزل تونسي، محاولة بحثية جندرية في علاقة المجتمع بجسد المرأة والرجل، بحث جمالي يقدمه بلقاسمي انطلاقا من الذاكرة، يلتقط احاديث النسوة، غمزاتهنّ اثناء ممارسة عملية النسيج، قهقهاتهنّ متى تحدثن عن اجسادهنّ جميعها اشارات يضعها امامه يعيد قراءتها وتحويلها الى عرض يغوص التراث ويدافع به عن جسد المرأة وحريتها.
«الشغل» بحث في التراث ومفاهيمه في علاقة بجسد المرأة
في «شغل» يستعمل رشدي بلقاسمي اكسوارات من التراث التونسي تكاد تندثر، اولها اسم العمل فالشغل يحيل الى المهن القديمة، مثل «شغل الكبوس» او «شغل النسيج» فللاسم دلالة تراثية وهو كلمة غير معروفة لجيل اليوم.
ثانيها «السداية» التي ستكون ديكور العمل وهي شخصية في العرض أيضا فالسداية بخيوطها البيضاء وأعمدتها الخشبية تكون جزء من حياة المرأة وتستعملها لتكون حامل لأفكارها وآلامها، كل مكملات السداية من «خلالة» و»كبب القيام» و»الرطاب» توجد على الركح وتكون هي الاخرى اكسسوارات للعمل ومؤثرات سينوغرافية وجزء من القصة، السداية التي ستدور حولها الطفلة سبع دورات ترمز الى عملية «التصفيح» التي تمارس على البنات «انا حيط وهو خيط»، «السداية» من بين خيوطها ينظر الرجل بمثابة ذاك الشباك منه يتلصص الرجال على النساء في فضاءاتهنّ الحميمية، تلك «السداية» ستكون حاملة اوجاع وآمال المرأة التي انطلق منها شغل رشدي بلقاسمي.
من مدينته حمام سوسة اخذ «الفوطة» التقليدية الزرقاء والبيضاء لتكون لباسها، فالنسوة في حمام سوسة يضعن الفوتة ويربطنها على الحزام كلباس يومي، هذه الفوتة تصبح غطاء لراس «العروسة» ووسيلة للرقص ايضا متعددة الاستعمالات احسن بلقاسمي توظيفها في عرضه ليقدم جزء من الموروث التقليدي في اللباس.
جسد المرأة فاعل ومفعول به في الوقت ذاته هكذا يقدمه بلقاسمي في عرضه، فالأم سيدة الفضاء هي صاحبة المكان، قادرة على التحكم بتلك الخيوط الكثيرة لتصنع منها اجمل المنسوجات، هي صاحبة القرار في تصفيح ابنتها لحمايتها من «الاخر»، هذه الانثى هي الطفلة التي تلعب وتغني «افتحي يا وردة» وتقوم بسبع دورات حول المنسج، تعتقد انها تلعب لكنها تتعرض الى عملية اعتداء «التصفيح» من امها دون معرفة، هذه الانثى هي العروس الجميلة تتجلى ثم تختنق ففي الموروث الشعبي الكثيرات ممن تمّ تصفيحهن في الطفولة كنّ ضحايا للعنف ليلة الزواج لغياب من قامت بعملية التصفيح (الام، الخالة، الجدة)، اختناق عبر عنه الراقص بلف الفوتة حول الرقبة اثناء الرقص، فمن وسطن الفرحة تولد براعم الوجيعة التي تعانيها الانثى في علاقة بجسدها.
الرقص نداء للتحرر من قيود الدين والمجتمع والعادات
جسد الانثى كان ولازال يخضع للعديد من الأحكام، كان جسدها ولا يزال الى اليوم تهمة وعورة لدى الكثيرين، لازالت المرأة تعاني من العنف المادي والمعنوي والرمزي في علاقة بالجسد، عنف يعبر عنه الراقص من خلال لوحة البونوارة ويحيط جسده بأربعة خيوط يمسك بها اربع من الجمهور وأثناء الرقص يطلب منهم «اكبس» وكلما شدت الخيوط اكثر ازدادت مساحة الرقص ضيقا. الخيوط الاربعة هي المجتمع والدين والعادات والرجال، اربعتهم يحاولون خنق جسد المرأة وتحديد فضاءه مصغر يدور فيه، فالمجتمع يرى في المراة «وعاء للجنس والولادة» مكانها في بيتها لخدمة زوجها، يرى في جسدها «خطر» فليجئون الى «التصفيح» لكبت ذاك الجسد الانثوي الغضّ.
اما العادات والتقاليد فقد توارثها التونسيون اقوال «الدار قبر المرا» فالمرأة منذ زواجها يكون بيتها اخر مكان تذهب اليه قبل القبر، يخافون عليها من «الطلاق»، يجبرونها لتتحمل العنف تحت مسميات عديدة «الهناء، الأولاد العيب» ومتى اصبحت ارملة يحاولون خنق ذاك الجسد ورغبته في الحياة باللون الاسود (في الموروث الشعبي في بعض الارياف الارملة تمنع من الاستحمام لمدة محدّدة، تمنع من وضع مساحيق التجميل وتغيير اللون الداكن وإعادة لباس حليها طيلة العام الاول)، اما بعض الرجال فيذبحون لميلاد الذكر ويعبرون عن الغضب لولادة الانثى (هم البنات للممات) وجميعها قيود تمارس على المرأة وجسدها.
اما الدين يفسره الكثيرين على مزاجهم فيفتون بعورة جسد المرأة وضرورة تغطية الجسد كاملا انطلاقا من قوله تعالى في الاية 31 من سورة النور» وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ءابائهن».
هذه القيود يحولها رشدي بلقاسمي على الركح مستعملا الخطوة التونسية وموسيقى جدّ مميزة ابدع في توزيعها رفيق الفكرة اسامة السعيدي فكان التماهي بين الموسيقى وأفكار الراقص دلال على التماهي الفكري بينهما.
في «شغل» يبحث بلقاسمي من جديد في جسد المرأة، ينتصر لها ويحاول ابراز سيطرتها على فضائها الحميمي، في شغل يرقص بلقاسمي يعانق الحرية في خطواته، يتسلح بالجمال وسحر الموسيقى ليخبر جمهور «الشغل» ان اجساد النساء خزائن أسرار اجسادهنّ مفاهيم فلسفية يصعب الوصول اليها دون الكثير من الجرأة والقراءة والتفكير، شغل ليس مجرد حركات راقصة او عرض فرجوي بل رحلة بحثية دامت لسنين، تعلم فيها بلقاسمي النسيج اولا ثمّ درس كثيرا عن جسد المرأة ذاك الكنز المميز والغول الذي يخاف منه من يتعاملون مع الجسد بسطحية.

مفيدة خليل
16-04-2022