عرض «شغل» لرشدي بلقاسمي في قاعة الحمراء: تجربة أخرى تبحث في حكايات الجسد

«ابق حيث الرقص فالأشرار لا يرقصون» جملة لأحلام مستغانمي يعتمدها كثيرا الكوريغراف رشدي بلقاسمي الذي يدافع
في اعماله عن الخطوة التونسية وينفض الغبار عن خطوات منسية، ينتصر بجسده للمرأة وأوجاعها فيرقص لها وبخطواتها الانثوية «يشطح بالحزام»، ينصت جيدا للتاريخ يعيد قراءته وتأمله ليكتب لوحاته الراقصة وعروضه الكوريغرافية، الرقص لديه حياة و«الشطيح» جزء من هويته الفنية والمهنية، الرقص التونسي بخطواته الكثيرة محور اشتغاله منذ اول عمل قدمه عام 2014 «زوفري» الى عرضه الجديد «شغل»2022 الذي سيقدم يومي 14 و15 افريل في قاعة الحمراء.
الرقص ممارسة مقدسة لديه، فهو فنان يؤمن ان للجسد القدرة على التعبير وكتابة اجمل الاعمال الركحية وإعادة قراءة المجتمع وعاداته من خلال الجسد وأهازيجه الحرة الخالدة، جسده وسيلته ليصنع عروضه ويقدم افكاره التي آمن بها، رشدي بلقاسمي الكوريغراف التونسي الذي اختص في النبش في التراث اللامادي وتقديم الرقصة التونسية بكل ابعادها المجتمعية والقيمية فالرقص لدى بلقاسمي وسيلته ليعرف الجمهور جزء من تراثهم بعد عملية بحث يقوم بها الكوريغراف.
خطواته ليست مجرد فعل مسرحي إذ يسبقها ببحث عن الموضوع المطروح وينجز العمل في اطار تشاركي بين كاتب النص وصانع الموسيقي وباعث الحياة في تلك الخطوات، تتكاتف البحوث المعرفية والتاريخية مع النبش في التراث لتقديم عمل راقص عادة ما يسلط الضوء على موضوع من عادات التونسي او واقعه يقدمه بلقاسمي بخطوة تونسية فيحضر الفزاني والعلاجي والمربع وغيرها من الخطوات التي توارثها التونسيين اثناء الرقص.
بلقاسمي كلما رقص اثار ضجة، كلما رقص تهاطلت عليه ابشع النعوت، كلما قدم عرضا إلا وثار متابعو وسائل التواصل الاجتماعي وشنت حملات تهاجم الراقص وخطواته «الانثوية» في بعض الرقصات، وكلما اشتدّ الهجوم رقص اكثر وبحث اكثر في الموروث الشعبي ويجيب مهاجميه برغبته الدائمة في الحفر في الوعي الجمعي، ومنذ عرضه الاول اثار عمله الجديد «شغل» الكثير من الانتقاد الاخلاقوي بعد انتشار مقطع فيديو من العرض.
«شغل» عرض يكتبه ركحيا رشدي بلقاسمي ويصنع موسيقاه رفيق الرحلة والفكرة اسامة السعيدي عن موسيقى اصلية لفرقة امير الساحل وسينوغرافيا لمروان مهنى ومصمم رقص مساعد اسامة حنايني وملابس رجاء علويني نجار وفيديو زين بشير، هي عملية بحث في علاقة بجسد الأم، يتوسط الركح النول و»السداية» وما يتبعها من متممات لعملية النسيج لمحاولة العودة بجمهوره الى ذكريات الطفولة وبيوت الجدات، ففي الساحل التونسي سابقا في كل بيت يوجد «النول» وكل النساء يتقن صناعة منسوجاتهنّ، ومن فكرة وجود المرأة خلف النول وما يبوح به قلبها اثناء «دقان الخلالة» يفتح بلقاسمي الابواب على اجساد النساء لتحكي اسارها المخفية، فتتحدث عن المتعة والخوف، تحكي الوجع والأمل، تتحدث عن الشبق والأسرار المخفية، بطلة العرض شخصية الام تستعد لزواج ابنها، تحضر تراتيب العرس وجسد رشدي بلقاسمي سيكون المحمل الفرجوي لمعرفة حكايات النساء وقصصهن مع الحب والجسد.
«شغل» عمل كوريغرافي جديد، تجربة اخرى للحفر في اجساد النساء والكشف عن قصصهنّ والانتصار لاجسادهنّ النابضة بالحياة، عمل فني اخر انشغل بلقاسمي بالعمل عليه لأشهر طويلة قبل خروجه للجمهور، عرض هو الاخر قوبل بانتقادات اخلاقوية بسبب الرقص النسائي والخطوات الانثوية الموجودة داخل العمل وعريّ الجسد في بعض الشطحات، تجربة فنية اخرى تؤكد ايمان بلقاسمي بالرقص ممارسة ومهنة ودفاعه الدائم عن فنّ يشبهه، فن يتحرّر من قيود الاخلاق والأحكام القيمية، فن ينتصر لتمرد الجسد على السائد والإنصات فقط لصوته الصاخب بالحب والحياة.
«شغل» تجربة ابداعية أخرى تحيي الذاكرة عن عادات اجتماعية تتعلق بالعرس، فالرقص لدى رشدي بلقاسمي مطيته ليحيي الخطوات المنسية والحركات التي تساقطت من الذاكرة المجتمعية، الرقص ليس فقط خطوات يتقنها رشدي بلقاسمي بل هي رسالة تحدى ودفاع مستمر عن الرقص فالرقص التونسي حمّال معاني، هناك رقصات للفرح وأخرى تعبر عن الوجع والموت والتمرد ايضا فالربوخ التونسي مثلا كان تعبيرة عن رفض «الزوفرة» (العملة) للاستعمار الفرنسي ومن كمية التعب والاجهاد ولدت الرقصة، وفي تونس هناك الكثير من الخطوات ذات البعد الثوري ورقصي ممارسة ثورية وفعل حياة كما يقول بلقاسمي.
من «تهويلة» الى «خيرة ورشدي» الى «زوفري» ف»اذا عصيتم» و»ولد الجلابة» عروض اختلفت معانيها واشتركت في «الاستفزاز» فرقصات رشدي بلقاسمي مستفزة، فكل عمل يختلف عن الاخر من حيث الفكرة والمضمون ولكنه يشترك في الاستفزاز « لا يهمني ما يقال، ولا تخيفني التهديدات، لاني اعشق ما اقدم، ارقص لأستفزك ارقص رقصة النساء لأنصفهن، وارقص لأكشف كل سلبيات المجتمع و ممنوعاته، جسدي صوت للحرية ولن يخمد هذا الصوت ما دمت أرقص».

بقلم مفيدة خليل
06-04-2022